جلال الدين السيوطي

92

الإتقان في علوم القرآن

السلف قال : ما أغنى أهل النار عن الترخيم ! . وأجاب بعضهم : بأنّهم لشدّة ما هم فيه عجزوا عن إتمام الكلمة . ويدخل في هذا النوع حذف همزة ( أنا ) في قوله : لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [ الكهف : 38 ] إذ الأصل ( لكن أنا ) حذفت همزة ( أنا ) تخفيفا ، وأدغمت النون في النون . ومثله ما قرئ : ويمسك السّماء أن تقع علّرض [ الحج : 65 ] بما أنزلّيك [ البقرة : 4 ] ، فمن تعجّل في يومين فلثم عليه [ البقرة : 203 ] ، إنها لحدي الكبر [ المدثر : 35 ] . النوع الثاني : ما يسمّى بالاكتفاء : وهو أن يقتضي المقام شيئين بينهما تلازم وارتباط ، فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة . ويختصّ غالبا بالارتباط العطفي ، كقوله : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] أي : والبرد ، وخصّص الحرّ بالذكر لأنّ الخطاب للعرب ، وبلادهم حارة والوقاية عندهم من الحر أهم ؛ لأنه أشد عندهم من البرد . وقيل : لأن البرد تقدّم ذكر الامتنان بوقايته صريحا في قوله : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها [ النحل : 80 ] ، وفي قوله : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً [ النحل : 81 ] وفي قوله تعالى : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [ النحل : 5 ] . ومن أمثلة هذا النوع : بِيَدِكَ الْخَيْرُ [ آل عمران : 26 ] أي : والشرّ ، وإنّما خصّ الخير بالذكر ؛ لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم ، أو لأنه أكثر وجودا في العالم ، أو لأنّ إضافة الشّرّ إلى اللّه ليس من باب الآداب ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « والشرّ ليس إليك » « 1 » . ومنها : وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ الأنعام : 13 ] أي : وما تحرّك ، وخصّ السكون بالذكر ؛ لأنّه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد ، ولأنّ كل متحرّك يصير إلى السكون . ومنها : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] أي : والشهادة ، لأنّ الإيمان بكلّ منهما واجب ، وآثر الغيب لأنّه أمدح ، ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة ، من غير عكس .

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 771 ) ، وأبو داود ( 760 - 761 ) ، والترمذي ( 3422 - 3423 ) ، والنسائي 2 / 129 - 130 ، وابن الجارود ( 179 ) ، والدارقطني 1 / 296 ، والطحاوي في شرح المعاني 1 / 199 - 239 ، وفي مشكل الآثار 1 / 488 ، وابن خزيمة ( 462 - 463 - 743 ) ، وابن حبان ( 1771 - 1772 - 1773 - 1774 - 1775 ) ، والبيهقي في السنن 2 / 32 - 74 .